محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

51

كشف الأسرار النورانية القرآنية

والكيفية القائمة بالقمر نورا وشك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر ، وقال تعالى في موضع آخر : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [ الفرقان : الآية 61 ] . وقال في آية أخرى : وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) [ النّبإ : الآية 13 ] . فكلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج فمنهم من قال الوهج مجتمع الضوء والحرارة فبين اللّه تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين ، وهو المراد بكونها سِراجاً وَهَّاجاً [ النّبإ : الآية 13 ] . وروى الكلبي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أن الوهاج مبالغة في الضوء فقط . يقال للجوهر إذا تلألأ توهج ، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في الضوء ، وفي « كتاب الخليل » الوهج حر النار والشمس وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر ، وأما كلام أهل الهيئة فمضطرب أيضا فمعظمه سطح الشمس المشاهد لنا مغطى ببقع ونكت تختلف في العدد والقدر ، ومع ذلك فالظاهر أنها لا تأثير لها في عظم الضوء ، ولا في الحرارة المنبعثين إلينا في ذلك ، وهل الشمس جرم مشتعل مسلط عليه ثوران شديد ؟ أو أنها كما قال بعضهم : كوكب مضيء مسكون بسكان يستضيؤون بغمام ملتهب نير ، أو أنها كما قال بعض متأخري الطبيعيين : مؤلفة من طبقات متحدة المركز مختلفة الطبيعة يؤثر بعضها في بعض كما يحصل ذلك في صفحات العمود الكهربائي ، أو أنها كرة عظيمة من ساءل كهربائي متجمع تحدث قوته الجاذبة والدافعة في أجرام الكواكب معنى غير محسوس يسمى الجاذبية أو التثاقل العمومي ، ومعارفنا لم تزل إلى الآن قاصرة على تحقيق ما هو الأجدر من هذه الأقوال بالصحة . ( المسألة السادسة ) : قوله قدره منازل نظيره قوله تعالى في سورة يس : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [ يس : الآية 39 ] . وفيه وجهان : ( أحدهما ) : أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل . ( والثاني ) : أن يكون المعنى وقدره ذا منازل ، والضمير في قوله : قَدَرُهُ [ البقرة : الآية 236 ] . وفيه وجهان : ( الأول ) : أنه لهما ، وإنما وحد الضمير للإيجاز وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التّوبة : الآية 62 ] . ( والثاني ) : أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده لأنه بسير القمر تعرف الشهور